أبي هلال العسكري
439
تصحيح الوجوه والنظائر
من قال النحويون : من تدخل لابتداء الغاية ، وهو قولك : سرت من البصرة ، فأعلمت أن ابتداء سيرك كان منها ، وقولك : من فلان إلى فلان ، قال : وأخذت منه درهما ، وسمعت منه حديثا ، أي : هو أول هذا الذكر . وتدخل للتبعيض في قولك : أكلت من طعامك ، وأخذت من مالك ، وقيل : معنى ذلك أنه جعل ماله ابتداء غاية ما أخذ منه ، فدل على التبعيض من حيث صار ما بقي إمهاله والأصل واحد . قال المبرد : وتكون لإضافة الأنواع إلى الأسماء ؛ كقوله : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ [ سورة المائدة آية : 90 ] ، وقوله : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ [ سورة الحج آية : 30 ] ، والرجس يجمع الأوثان وغيرها ؛ فإذا قلت : من الأوثان وغيرها فإنما معناه الذي ابتداؤه من هذا الصنف ، قال : وكذلك قول سيبويه : هذا باب علم ما الكلم من العربية ؛ لأن الكلام يكون عجميا وعربيا فأضاف النوع إلى اسمه الذي يبين فيه ، وهو العربية ، وقيل : لما كان في الوثن رجس وغير رجس ، قال : من الأوثان فحرم الرجس منها ، وهو عبادتها ، ولم يحرم أجسامها ، ودخلت من على هذا التقدير ، وقالوا : يكون دخولها كسقوطها في قولك : ما جاءني من أحد . وقول اللّه : أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ [ سورة البقرة آية : 105 ] ، وعند المحققين من النحاة إنها هاهنا ليست زيادة ؛ لأن الزيادة في الكلام من غير فائدة عيب ، ولمن هاهنا معنى صحيح ، وهو أنك إذا قلت : ما جاءني أحد فجاز أن تكون أحد هاهنا بمعنى واحد ، وجاز أن تكون أحد الذي هو بمعنى الجنس ؛ فإذا دخل من زال اللبس فصار المعنى من الناس كلهم ؛ إذا كانوا واحدا واحدا ، وإذا لم يدخل من جاز ، لأن لا يجيئه واحد ويجيئه اثنان فما فوق . وقال ابن درستويه : إنما أفادت هاهنا أنه لم يجيئه من هذا الجنس شيء ، وإذا لم تدخل من ، كان المعنى أنه لم يجيئه هذا الجنس كله ، ولما كان بمعنى التنكير في الوجهين ، والعموم موجود ظنوا أن من لا معنى لها .